مقالات

اتفقوا أولاً على فلسطين… ثم اختلفوا على المقاعد

S
Saiid Toghly
visibility 480
اتفقوا أولاً على فلسطين… ثم اختلفوا على المقاعد



بقلم: المهندس غسان جابر 


أخطر ما في التحالفات الانتخابية التي يجري الحديث عنها اليوم ليس أن تختلف القوى الوطنية على ترتيب الأسماء، وإنما أن تتفق على الأسماء قبل أن تتفق على الإجابة عن السؤال الذي يفترض أن يسبق كل شيء: ماذا نريد أن نفعل بفلسطين بعد أن نصل إلى المجلس التشريعي؟


هذه ليست ملاحظة على هامش الانتخابات، ولا اعتراضاً على حق أي فصيل أو شخصية في أن يبحث عن أفضل موقع له في أي قائمة.


الانتخابات بطبيعتها منافسة، والتحالفات جزء أصيل من العملية الديمقراطية.


لكن هناك فارقاً كبيراً بين تحالف يتشكل لخدمة مشروع سياسي، وتحالف يتشكل لأن كل طرف يريد أن يضمن حصته من المقاعد.


الأول يمكن أن يكون بداية لمرحلة جديدة.


أما الثاني، فقد لا يكون أكثر من تسوية انتخابية مؤقتة بين قوى ستعود بعد إعلان النتائج إلى خلافاتها القديمة.


وهنا تحديداً يجب أن نطرح الأسئلة التي لا يحب السياسيون عادةً سماعها.


هل نحن نبني تحالفاً وطنياً، أم نبني قائمة انتخابية؟


وهل اتفقنا فعلاً على فلسطين التي نريدها، أم اتفقنا فقط على من سيكون في مقدمة القائمة ومن سيكون في ذيلها؟


ماذا سيحدث في صباح اليوم التالي؟


هذا، في رأيي، هو السؤال الذي يجب أن يحكم كل نقاش حول الانتخابات.


ليس السؤال فقط: من سيفوز؟


بل:


ماذا سيفعل الفائز في اليوم التالي؟


إذا فازت قائمة أو مجموعة قوائم وطنية، ماذا ستكون خطتها في أول مئة يوم؟


كيف ستتعامل مع الانقسام؟


كيف ستعيد بناء المؤسسات؟


كيف ستتعامل مع غزة والضفة باعتبارهما وحدة سياسية وجغرافية واحدة؟


كيف ستعيد الاعتبار لمنظمة التحرير باعتبارها الإطار الوطني الجامع، وتفتح الطريق أمام إصلاحها وتوسيع تمثيلها؟


كيف ستعيد للمجلس التشريعي دوره الحقيقي في التشريع والرقابة والمساءلة؟


كيف ستتعامل مع علاقة السلطات ببعضها البعض؟


كيف ستواجه الفساد والمحسوبية وتضارب المصالح؟


كيف ستبني اقتصاداً فلسطينياً أقل ارتهاناً للأزمات والتبعية؟


وكيف ستعيد للمواطن إحساسه بأن صوته لا ينتهي مفعوله بمجرد وضع الورقة في صندوق الاقتراع؟


هذه ليست أسئلة لاحقة.


هذه هي الانتخابات نفسها.


التحالف الانتخابي شيء… والتحالف السياسي شيء آخر


قد تستطيع عشرة قوى سياسية أن تتفق على قائمة واحدة.


لكن هل تستطيع أن تتفق على برنامج حكم؟


قد تستطيع أن تتفق على ترتيب عشرين اسماً.


لكن هل تستطيع أن تتفق على موقف واحد عندما تتعارض مصلحة الفصيل مع المصلحة الوطنية؟


قد تستطيع أن تتفق على توزيع المقاعد.


لكن هل تستطيع أن تتفق على كيفية توزيع المسؤولية؟


هنا يصبح الاختبار الحقيقي.


فالتحالف الانتخابي يقول:


لنذهب معاً إلى الانتخابات.


أما التحالف السياسي فيقول:


لنذهب معاً إلى ما بعد الانتخابات.


والفارق بين الاثنين ليس تفصيلاً.


إنه الفارق بين قائمة تريد أن تفوز، وقائمة تريد أن تغيّر.


لا تجعلوا الانتخابات عملية تدوير للمشهد


لقد جرب الفلسطينيون طويلاً سياسة تدوير الأسماء، وتبديل المواقع، وإعادة إنتاج التحالفات، ثم اكتشفوا في كل مرة أن المشكلة لم تكن في الأشخاص وحدهم.


المشكلة كانت في قواعد اللعبة السياسية نفسها.


ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نذهب إلى الانتخابات بخطاب جديد، وقوائم جديدة، وربما بعض الوجوه الجديدة، ثم نعود بعد إعلان النتائج إلى النظام السياسي ذاته.


عندها لن نكون قد صنعنا تغييراً.


سنكون قد غيرنا اللاعبين فقط.


والسؤال الأصعب:


هل يستطيع المجلس التشريعي القادم أن يكون مدخلاً لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، أم سيكون مجرد مؤسسة إضافية داخل نظام يحتاج في جوهره إلى إعادة ترتيب؟


وهل نريد مجلساً يراقب السلطة التنفيذية فعلاً، أم مجلساً يبحث عن موقعه داخلها؟


هل نريد نواباً يمثلون الشعب، أم ممثلين للفصائل داخل المجلس؟


وهل يستطيع النائب أن يقول «لا» لفصيله عندما تكون «لا» هي المصلحة الوطنية؟


هذه الأسئلة ليست ترفاً.


بل هي جوهر الديمقراطية.


الفصائل مهمة… لكنها ليست فلسطين


ربما يحتاج هذا الكلام إلى قدر من الوضوح حتى لا يتحول النقاش إلى سجال فصائلي.


لا أحد يطالب بإلغاء الفصائل.


ولا أحد يستطيع محو تاريخها أو حضورها أو قواعدها الاجتماعية والسياسية.


لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الفصيل غاية بذاته، وعندما تصبح فلسطين مجرد مساحة تتنافس فيها الفصائل على النفوذ.


الفصيل جزء من الوطن.


لكن الوطن ليس جزءاً من الفصيل.


وهذه ليست لعبة كلمات.


إذا كان الفصيل هو نقطة البداية والنهاية، فسوف تصبح الانتخابات معركة على النفوذ.


أما إذا كانت فلسطين هي نقطة البداية والنهاية، فسوف تصبح الانتخابات وسيلة لبناء نظام سياسي قادر على حماية مصالحها.


ولهذا فإن المطلوب ليس تحالفاً يلغي الفصائل، بل تحالفاً يضعها في مكانها الطبيعي داخل المشروع الوطني، لا فوقه.


ومن قال إن ترتيب الأسماء هو معيار الكفاءة؟


هناك سؤال آخر ينبغي ألا نهرب منه.


لماذا نفترض أن الموقع المتقدم في القائمة يجب أن يذهب بالضرورة إلى صاحب الوزن التنظيمي الأكبر؟


هل المجلس التشريعي القادم يحتاج فقط إلى قيادات فصائلية؟


أم يحتاج أيضاً إلى اقتصاديين وقانونيين وأطباء ومهندسين وأكاديميين وخبراء في الإدارة والتكنولوجيا، وإلى شباب ونساء وشخصيات مجتمعية مستقلة قادرة على مخاطبة الناس خارج الأطر التنظيمية؟


القضية ليست تجميل القائمة ببعض المستقلين.


القضية هي إعادة تعريف معنى التمثيل السياسي نفسه.


النائب لا ينبغي أن يكون مجرد مكافأة على سنوات النشاط التنظيمي.


ولا ينبغي أن يكون المقعد امتيازاً تفاوضياً.


المقعد مسؤولية.


والسؤال الذي يجب أن يسبق وضع أي اسم هو:


ماذا سيضيف هذا الشخص إلى المجلس وإلى فلسطين؟


الناخب لم يعد ينتظر من يختار له


ثمة خطأ استراتيجي قد تقع فيه القوى السياسية إذا اعتقدت أن جمهورها سيصوت تلقائياً للقائمة لمجرد أن اسم الفصيل موجود فيها.


الناس تغيرت.


والأجيال الجديدة تحديداً لم تعد تنظر إلى السياسة بالطريقة التي كانت تنظر بها الأجيال السابقة.


المواطن يريد أن يعرف ماذا سيحصل عليه من دولة ومؤسسات وقانون واقتصاد وعدالة وكرامة.


يريد أن يعرف لماذا يصوت.


ولمن يصوت.


وماذا سيحدث لصوته بعد الانتخابات.


ولهذا لن يكون كافياً أن تقدم له قائمة وتقول:


هذه قائمة وطنية لأنها تضم هذه القوى.


سيكون السؤال المشروع:


أين المشروع؟


وإذا كان المشروع غير موجود، فماذا يفترض أن ينتخب المواطن؟


اتفقوا على المبادئ… ثم تنافسوا على المقاعد


أنا لا أطالب القوى الوطنية بأن تتفق على كل شيء.


هذا غير واقعي، وربما غير صحي أيضاً.


الاختلاف السياسي جزء من الديمقراطية.


لكن هناك فرقاً بين الاختلاف حول الوسائل والاختلاف حول الغاية.


يمكن أن نختلف على طريقة إدارة الاقتصاد.


يمكن أن نختلف على الأولويات.


يمكن أن نختلف على السياسات الاجتماعية.


يمكن أن نختلف على ترتيب الملفات.


لكن يجب أن نعرف أولاً:


أي فلسطين نريد؟


فلسطين التي تستعيد وحدتها السياسية؟


فلسطين التي تعيد بناء مؤسساتها؟


فلسطين التي يكون فيها القانون فوق الأشخاص؟


فلسطين التي يصبح فيها المجلس التشريعي سلطة حقيقية؟


فلسطين التي يكون فيها القرار الوطني مستقلاً؟


فلسطين التي لا يكون فيها المواطن مجرد متلقٍ للقرارات؟


إذا اتفقنا على هذه المبادئ، فليختلف كل طرف بعد ذلك كما يشاء.


هنا يصبح الاختلاف ديمقراطية.


أما أن نختلف على فلسطين ونتفق على المقاعد، فهذه ليست ديمقراطية.


هذه مجرد صفقة.


لا نحتاج إلى قائمة تفوز بالانتخابات… بل إلى مشروع يفوز بفلسطين


ربما آن الأوان لأن نعيد ترتيب الأولويات.


لا تبدأوا من السؤال:


من سيكون الأول؟


ابدأوا من:


ما الذي نريد أن ننجزه؟


لا تسألوا:


كم مقعداً لهذا الفصيل؟


اسألوا:


كم مسؤولية يستطيع هذا التحالف أن يتحمل؟


لا تسألوا:


من يضمن موقعه؟


اسألوا:


من يستطيع أن يضمن تنفيذ البرنامج؟


ولا تجعلوا التحالف ينتهي لحظة إعلان النتائج.


بل اجعلوا اتفاقكم الحقيقي يبدأ في تلك اللحظة.


لأن فلسطين لا تحتاج إلى تحالف انتخابي ينتهي عند باب المجلس التشريعي.


تحتاج إلى تحالف سياسي يبدأ منه.


وأخيراً…


لنكن صريحين.


المقاعد مهمة.


والترتيب مهم.


والوزن الانتخابي مهم.


والجغرافيا مهمة.


والحسابات السياسية كلها مشروعة.


لكنها كلها تفاصيل إذا لم نعرف إلى أين نريد أن نصل.


لقد حان الوقت لأن نخرج من عقلية:


«كم لنا؟ وكم لكم؟»


إلى عقلية:


«ماذا علينا أن نفعل؟»


اتفقوا أولاً على إنهاء الانقسام.


اتفقوا على إعادة بناء النظام السياسي.


اتفقوا على حماية القرار الوطني.


اتفقوا على إعادة بناء المؤسسات.


اتفقوا على برنامج لغزة والضفة والقدس.


اتفقوا على أن الشعب هو مصدر الشرعية.


اتفقوا على أن النائب ليس موظفاً عند فصيل، وإنما ممثل للشعب.


ثم بعد ذلك… اختلفوا على المقاعد كما تشاؤون.


اختلفوا على الأول والثاني والثالث والعاشر.


تنافسوا.


فاوضوا.


شدوا الحبل.


فهذه هي الانتخابات.


لكن لا تجعلوا الخلاف على المقاعد يسبق الاتفاق على فلسطين.


لأننا إذا فعلنا ذلك، فقد ننجح في تشكيل قائمة قوية، ونفوز بعدد جيد من المقاعد، ونحتفل ليلة إعلان النتائج…


ثم نكتشف في صباح اليوم التالي أننا لم ننتخب مستقبلاً جديداً.


لقد انتخبنا فقط نسخة جديدة من الماضي.


ولهذا أقولها بوضوح:


اتفقوا أولاً على فلسطين… ثم اختلفوا على المقاعد.


فالمقعد ليس وطناً.


والقائمة ليست مشروعاً.


والتحالف ليس وحدة وطنية بمجرد أن يجلس أعضاؤه في صورة واحدة.


فلسطين أكبر من القائمة، وأكبر من الفصيل، وأكبر من المقعد، وأكبر من كل من يعتقد أن له حصة فيها.


ومن يدخل الانتخابات بحثاً عن مقعد، قد يفوز بالمقعد.


أما من يدخلها بحثاً عن فلسطين، فهو وحده الذي يستحق أن يمثلها.


م. غسان جابر - الخليل

التعليقات (0)

كن أول من يعلّق.